وفقا لما أفادته وکالة أنباء أهل البيت (ع) الدولية - ابنا - أُقيمت يوم الخميس، 30 سبتمبر 2026، في قاعة المؤتمرات التابعة لـ "مجمع العلوم والثقافة الإسلامية" في مدينة قم، مراسم إزاحة الستار عن الكتاب القيّم "فقيه من كربلاء"، الذي يوضح ويحلل الفكر السياسي لآية الله السيد محمد تقي المدرسي.
وخلال الفعالية، تناول حجة الإسلام والمسلمين السيد مهدي المدرسي العلاقة بين التراث الفقهي ومتطلبات العصر؛ كما استعرض عبد الوهاب فراتي الدوافع وراء تأليف الكتاب وتطور الفكر السياسي لآية الله المدرسي؛ في حين أكد الباحث البحريني راشد الراشد على الانخراط العملي لآية الله المدرسي إلى جانب نشاطه العلمي، واصفاً إياه بأنه سماحته "فقيه ميداني".
بيمان: لقد ربط آية الله المدرسي بين الفقه والمسؤولية السياسية والاجتماعية
وفي أعقاب ذلك، ألقى الدكتور آيات بيمان -رئيس المجمع العالمي للدراسات الشيعية وأمين المجلس الوطني لعلماء الدين- كلمةً قال فيها: "إننا نجتمع اليوم في هذا المحفل العلمي، لا لمجرد تكريم شخصية فكرية مرموقة فحسب، بل لإعادة قراءة السمات الفكرية لركيزة فقهية راسخة؛ عالمٍ نجح بفعالية في الربط بين المعرفة الدينية والسياسة الإسلامية".
وفي معرض إشادته بالدراسة البحثية التي أعدها عبد الوهاب فوراتي، أشار بيمان إلى أن الكتاب يتجاوز مجرد تحليل الفكر السياسي لآية الله السيد محمد تقي المدرسي؛ إذ يوضح منظومته الفكرية الشاملة، مشكلاً بذلك ركيزةً لفهم المكانة العلمية والرؤى السياسية والدور الاجتماعي لهذه المرجعية الدينية.
وصرح رئيس "المجمع العالمي للدراسات الشيعية" بأن المكانة العلمية لآية الله المدرسي ينبغي أن تُقرأ من خلال نقطة الالتقاء بين التقاليد العلمية الحوزوية في كل من كربلاء وقم. وأشار إلى أن المدرسي يُعد من الفقهاء الذين نقلوا المعرفة من حيزها النظري البحت لتصبح أداةً لإدارة شؤون الأمة؛ إذ استند في ذلك إلى الرصانة العلمية الحوزوية الأصيلة، مع تلبية احتياجات المجتمع في آنٍ واحد.
وأضاف أن آية الله المدرسي قد أثبت أن دور الفقيه لا ينبغي أن يقتصر على بيان الأحكام الشرعية المتعلقة بالحلال والحرام فحسب، بل يتحتم عليه الاضطلاع بدورٍ فاعل في القضايا الحيوية التي تهم المجتمع، والمساهمة -عبر تدريس الفقه والأصول- ليس فقط في إعداد الفقهاء، بل أيضاً في تخريج قيادات فكرية للمستقبل.
سلط بيمان الضوء على كتاب "القيادة الإسلامية" باعتباره أحد أبرز مؤلفات آية الله المدرسي، مشيراً إلى أن هذا الكتاب -الذي أُلِّف قبل نحو 55 عاماً- يطرح نظرية "ولاية الفقيه" ومفهوم الحكم الإسلامي استناداً إلى أدلة فقهية، كما يوضح دور "المراجع" في القيادة السياسية داخل الدولة الإسلامية.
وفي معرض إشارته إلى أن هذا الكتاب قد صدر قبل كتاب "ولاية الفقيه" للإمام الخميني، قال بيمان: "إذا كان تقييمنا صحيحاً، فإن هذا الكتاب يفتح آفاقاً جديدة في الفقه الاجتماعي"، مضيفاً أنه ينبغي على الباحثين إيلاء المزيد من الاهتمام لهذا العمل لفهم تطور الفكر السياسي لدى آية الله المدرسي.
مهدي المدرسي: منظور عالمي في الأنشطة العملية لآية الله المدرسي
في مستهل الحفل، تحدث حجة الإسلام والمسلمين السيد مهدي المدرسي -نجل آية الله السيد محمد تقي المدرسي- عن كتاب "فقيه من كربلاء"، قائلاً: "إن هذا العمل لا يقتصر على كونه سرداً لحياة فقيه معاصر، بل يتيح فرصةً لفهم الرابط بين تراث الفقه الشيعي ومتطلبات العصر والمسؤولية الاجتماعية للمرجعية الدينية".
معرباً عن تقديره للحضور، قال: "إن الكشف عن كتاب ما لا يقتصر أحياناً على مجرد عرض مئات الصفحات من النصوص؛ بل هو فرصة لفتح نافذة تطل على مسار فكري وتجربة إنسانية وفصلٍ من فصول التاريخ الفكري لعصرنا".
وفي معرض حديثه عن مضمون الكتاب، أضاف حجة الإسلام والمسلمين المدرسي: "لفهم شخصية آية الله المدرسي فهماً حقيقياً، لا ينبغي الاكتفاء بسرد تفاصيل حياته الشخصية؛ بل يجب دراسة أفكاره وأنشطته باعتبارها جزءاً من تيار حي وفاعل في تاريخ الفقه والفكر الشيعي".
وأشار إلى أن كل جيل من كبار الفقهاء قد ورث إرث الجيل السابق وعمل على صقله وتطويره بما يلائم تساؤلات عصره، قائلاً: "لقد أثبت الفقه الشيعي - بدءاً من الحوزات العلمية العريقة في النجف وكربلاء والحلة وسامراء ووصولاً إلى حوزات العصر الراهن - قدرةً فائقة على التطور ومعالجة القضايا المعاصرة، مع الحفاظ في الوقت ذاته على رسوخه في مبادئه التأسيسية". کما أشار إلى أن السمة المميزة لشخصية آية الله العلمية تكمن في الجمع بين "الأصالة والمعاصرة"؛ فمع تمسكه بالتقاليد العلمية للحوزة، ينظر سماحته إلى الفقه باعتباره علماً حياً ينبغي دمجه في نسيج الحياة الإنسانية.
وبيّن أن الفقه -في رؤية آية الله- ليس مجرد مجموعة من الأحكام المتفرقة، بل هو علم ديناميكي وموجِّه؛ إذ يتعين عليه معالجة القضايا المجتمعية وتقديم إجابات عن الأسئلة الجوهرية التي تواجه البشرية المعاصرة.
وفي معرض تسليطه الضوء على الرؤية العالمية لآية الله المدرسي، نوّه حجة الإسلام والمسلمين المدرسي بأن اهتمامات سماحته لم تكن يوماً محصورة في مدينة أو بلد بعينه؛ بل ظلت التطورات داخل المجتمعات الإسلامية، ومصير الشعوب المسلمة، والتحديات الثقافية والاجتماعية، ومستقبل الجيل الشاب، تتصدر دائماً قائمة اهتماماته.
فراتي: آية الله المدرسي يرى في حضور الفقيه في الحياة السياسية ضرورةً دائمة
وفي سياق متصل، صرّح الدكتور عبد الوهاب فوراتي -عضو الهيئة العلمية في "معهد أبحاث الثقافة والفكر الإسلامي" ومؤلف كتاب "فقيه من كربلاء"- قائلاً: إن آية الله السيد محمد تقي المدرسي ليس مجرد شخصية خاضت نضالاً سياسياً أو صاحب آراء سياسية متفرقة، بل هو فقيه تبنّى مشروعاً فكرياً متسقاً ومستمراً منذ عقود مضت وحتى يومنا هذا.
وحول الدافع وراء تأليف هذا الكتاب، أشار فوراتي إلى أنه على الرغم من إقامة المدرسي في طهران لمدة 24 عاماً -أي في الفترة ما بين عامي 1979 و2003- إلا أن الكثير من طلاب العلوم الدينية والأكاديميين كانوا -للأسف- يجهلون أفكاره، وغالباً ما اقتصر فهمهم له على أنشطته ضمن "منظمة العمل الإسلامي".
وأضاف فراتي أنه حتى في الأوساط العلمية والأعمال الأكاديمية، قلّما قُدّمت صورة دقيقة للمشروع الفكري لآية الله المدرسي عند ذكر اسمه؛ في حين أن نطاق فكره وأنشطته كان أوسع بكثير من مجرد عمله التنظيمي خلال فترة زمنية محددة.
وفي معرض إشارته إلى الدافع الثاني وراء بحثه، صرّح مؤلف الكتاب قائلاً: "على خلاف العديد من علماء الدين الذين يحملون أفكاراً متنوعة ويتناولون الفكر الإسلامي بطريقة مجزّأة، يمتلك آية الله المدرسي مشروعاً فكرياً متأصلاً؛ ولا يُعدّ النضال السياسي سوى جزءٍ من ذلك المشروع ذاته".
وفي معرض إشارته إلى ندرة المصادر الفارسية التي تتناول هذه الحقبة، لفت الانتباه إلى أن الأنشطة المحددة لثوار كربلاء إبان تواجدهم في الكويت -وكيفية بلورتهم لأيديولوجيا متميزة عن حركات الإخوان والسلفية والشيعة (مثل حزب الدعوة)- لا تزال غير مفهومة بالكامل.
وفيما يتعلق بدور النضال السياسي ضمن هذا الإطار الفكري، أشار إلى أن آية الله المدرسي -على خلاف بعض الناشطين الذين دخلوا المعترك السياسي استجابةً لواجب تمليه مقتضيات مرحلة معينة- كان ينظر إلى النضال باعتباره جزءاً لا يتجزأ من أيديولوجيته، لا مجرد ضرورة عابرة.
الراشد: آية الله المدرسي "فقيهٌ ميداني"
كما تحدث في الفعالية الباحث والمفكر البحريني الدكتور راشد الراشد، قائلاً: "إلى جانب طرحه للأفكار الإصلاحية، سعى آية الله السيد محمد تقي المدرسي لترجمتها إلى عملٍ ميدانيٍّ مُنظَّم؛ ولذا يمكن وصفه بأنه 'فقيهٌ ميداني'".
وأشار الراشد -الذي رافق آية الله المدرسي عن كثب وحضر محاضراته لما يقرب من خمسين عاماً- إلى أن "آية الله السيد محمد تقي المدرسي هو بحقٍّ وجدارةٍ 'فقيهٌ ميداني'".
وأضاف الراشد أن هذا التوصيف ينبع من سنوات من الاطلاع على تعاليم آية الله المدرسي وتوجيهاته ومنهجيته؛ ولتوضيح ذلك، لا بد من النظر في جانبين من جوانب عمله: التأسيس والتطوير للإطار الفكري "الرسالي"، والجهود المبذولة لتحويل تلك الرؤية إلى واقع عملي.
وفي معرض حديثه عن جذور المساعي الفكرية لآية الله المدرسي، أشار الباحث البحريني إلى أنه في مرحلة اتسمت بركود الحركة الفكرية والنشاط الاجتماعي الإسلامي، عكف آية الله على دراسة أسباب تخلّف الأمة، وأخذ على عاتقه مهمة إيجاد مخرج من ذلك الوضع.
وأشار إلى عملين لآية الله المدرسي —وهما "الثقافة الرسالية" و"الفكر الإسلامي: مواجهة حضارية"— منوّهاً بأن هذين العملين يشددان على ضرورة أن يتصدى الفكر الإسلامي للمشكلات الحقيقية التي تواجه الأمة، وأن يواجهها عبر مبدأ "مقارعة الرؤية بالرؤية والفكرة بالفكرة".
ولفت المفكر البحريني إلى أن مفهوم المسؤولية يقع في صميم هذا النهج؛ إذ سعى آية الله المدرسي -مستنداً إلى الآية الكريمة: {وَقِفُوهُمْ ۖ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ}- إلى ترسيخ القناعة لدى المجتمع بأن الأمة تتحمل مسؤولية واقعها الراهن ومستقبلها على حد سواء.
لقد صرّح قائلاً: لم يكتفِ آية الله المدرسي بطرح إطار فكري فحسب؛ بل كان يؤمن بأن أي فكرة -مهما بلغت درجة عمقها- تستلزم وجود هيكلية وآلية لترجمتها إلى واقع ملموس، ومن ثم التأثير في حياة الناس.
وفي معرض إشارته إلى تأسيس "الحركة الرسالية"، نوّه الباحث البحريني بأن هذه الحركة قد أُسست بهدف تطبيق أيديولوجية نابعة من حسٍّ بالمسؤولية؛ وقد خرّجت كادراً من الأفراد الذين ينشطون اليوم في مختلف أنحاء العالم العربي والمنطقة، فضلاً عن أفغانستان وباكستان والهند وأوروبا وأفريقيا والأمريكيتين.
لكزائي: آية الله المدرسي يربط بين "إقامة الدين" وبين بناء النظريات والمؤسسات
صرح حجة الإسلام والمسلمين نجف لكزائي، رئيس "مجمع العلوم والثقافة الإسلامية"، في ختام حفل إزاحة الستار عن كتاب "فقيه من كربلاء"، قائلاً: إن آية الله السيد محمد تقي المدرسي عالم لم يكتفِ بمجرد تبيين التعاليم الإسلامية ونشرها، بل انطلاقاً من التزامه بمبدأ "إقامة الدين"، انخرط في مسارات بناء النظريات وتأسيس المؤسسات وإعداد الكوادر.
واستشهد لكزائي بالآية 13 من سورة الشورى: {أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ}، مشيراً إلى أنه يمكن فهم العلماء والمفكرين من خلال علاقتهم بمجالات ثلاثة: التبيين، والنشر، وإقامة الدين؛ وعليه، فإن أي دراسة لفكر آية الله المدرسي ستكون منقوصة ما لم تأخذ هذا المجال الثالث بعين الاعتبار.
وفي معرض حديثه عن المجموعة الثالثة، صرّح رئيس "مجمع العلوم والثقافة الإسلامية" قائلاً: ينصبّ تركيز هؤلاء العلماء منذ البداية على الفجوة القائمة بين واقع المجتمع الحالي والحالة الدينية المثالية، متسائلين عن كيفية الانتقال من الظروف الراهنة إلى وضعٍ تتجسد فيه التعاليم الدينية في الحياة الاجتماعية.
وأشار -منوّهاً باتخاذ هذه المجموعة للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قدوةً لها- إلى أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يكتفِ بمجرد تبليغ التعاليم الدينية وشرحها، بل بادر إلى العمل الفعلي لترسيخ العقيدة؛ وعليه، فإن الاقتداء به يقتضي إيلاء الاهتمام للأبعاد العملية والاجتماعية للدين.
أشار حجة الإسلام والمسلمين لكزائي إلى أنه، وفقاً لرؤية آية الله المدرسي، إذا نشأت منظمة موازية للقيادة الدينية — أو حكومة منفصلة عنها — فلا يمكن ضمان استمرار التزامها بمقتضيات صون العقيدة أو ثباتها في وجه الهيمنة خلال الظروف الحرجة.
وفي معرض إشارته إلى أن عملية بناء المؤسسات في فكر آية الله المدرسي لا تقتصر على الحدود الوطنية، أوضح لكزائي أن المدرسي ينظر إلى قضية العالم الإسلامي من منظور عالمي، ويُعرِّف "الآخر" — بتعبير عبد الوهاب فراتي — بمصطلحات حضارية.
وفيما يتعلق برؤية آية الله المدرسي للعلاقات بين الدول الإسلامية، أشار المتحدث إلى أن آية الله يرى ضرورة أن تكون حركة المسلمين بين هذه البلدان حرة ودون عوائق، وألا تشكل الحدود الفاصلة بين أجزاء العالم الإسلامي عقبةً أمام تعزيز الروابط والتعاون داخل الأمة الإسلامية.
وتوضيحاً لهذا الرأي، بيّن حجة الإسلام والمسلمين "لكزائي" أنه في حين قامت العديد من الدول الغربية بتسهيل التنقل فيما بينها، لا يزال العالم الإسلامي يواجه عقبات عديدة تعيق حركة المواطنين بين الدول الإسلامية؛ وهو وضعٌ يعتبره آية الله المدرسي منافياً لمبدأ وحدة المسلمين وضرورتها.
ازاحة الستار عن كتاب "فقيه من كربلاء"
في الفقرة الختامية للحفل -وعقب إلقاء الكلمات واستعراض الأبعاد العلمية والسياسية والاجتماعية لفكر آية الله السيد محمد تقي المدرسي- تم الكشف عن كتاب "فقيه من كربلاء" لمؤلفه عبد الوهاب فراتي. ولا يقتصر هذا العمل على تحليل الآراء الفقهية والسياسية لهذه المرجعية الدينية فحسب، بل يستعرض أيضاً جوانب من أنشطته الفكرية والاجتماعية.
...........................
انتهی
تعليقك